سيد محمد طنطاوي

484

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وهذا الدعاء يشعر بأن فرعون وقومه ، قد صدوها عن الإيمان ، وهددوها بأنها إن آمنت . . حرموها من قصر فرعون ، وزينته وفخامته . كما أنها سألت ربها - عز وجل - أن ينجيها من ذات فرعون ، ومن عمله السيئ ، ومن كل من حام حول فرعون ، واتبعه في طغيانه وكفره . وقوله - سبحانه - : * ( ومَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ . . ) * معطوف على * ( امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ . . . ) * . أي : وضرب اللَّه - تعالى - مثلا آخر للمؤمنين مريم ابنة عمران . . . * ( الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها ) * أي حفظته وصانته ، إذ الإحصان جعل الشيء حصينا ، بحيث لا يتوصل إليه ، وهو كناية عن عفتها وطهارتها وبعدها عن كل فاحشة . . وقوله * ( فَنَفَخْنا فِيه مِنْ رُوحِنا ) * مفرع على ما قبله . قال الآلوسي : قوله : * ( فَنَفَخْنا فِيه ) * النافخ رسوله جبريل - عليه السلام - فالإسناد مجازى . وقيل الكلام على حذف مضاف ، أي : فنفخ رسولنا ، وضمير * ( فِيه ) * للفرج . واشتهر أن جبريل - عليه السلام - نفخ في جيبها فوصل أثر ذلك إلى الفرج . وقال الفراء : ذكر المفسرون أن الفرج جيب درعها ، وهو محتمل لأن الفرج معناه في اللغة ، كل فرجة بين شيئين ، وموضع جيب درع المرأة مشقوق فهو فرج ، وهذا أبلغ في الثناء عليها ، لأنها إذا منعت جيب درعها ، فهي للنفس أمنع . . « 1 » . أي : فنفخ رسولنا جبريل في فرجها أو في جيب درعها ، روحا من أرواحنا هي روح عبدنا ونبينا عيسى - عليه السلام - . وإضافة الروح إلى ذاته - تعالى - لأنه هو الخالق والموجد وللإشارة إلى أن تكوين المخلوق الحي في رحمها ، كان على غير الأسباب المعتادة . وقوله - تعالى - : * ( وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِه وكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ ) * زيادة في مدحها ، وفي الثناء عليها . . أي : وكان من صفات مريم ابنة عمران أنها آمنت إيمانا حقا * ( بِكَلِماتِ رَبِّها ) * أي : بشرائعه التي شرعها لعباده ، وبما ألقاه إليها من إرشادات عن طريق وحيه . * ( وكُتُبِه ) * أي : وصدقت بكتبه التي أنزلها على أنبيائه . وقرأ الجمهور وكتابه

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 28 ص 164 .